كل فترة يظهر مقطع جديد بعنوان:
«علامة من علامات الساعة ظهرت اليوم!»
أو:
«شاهد ما حدث… الحديث أخبر بهذا منذ 1400 سنة!»
ثم يبدأ الناس في مشاركة الفيديو، وربما يدخل بعضهم في حسابات وتواريخ وربط كل حرب أو زلزال أو ظاهرة جديدة بنص من نصوص أشراط الساعة.
لكن هل هذا هو السبب الذي أخبرنا الله ورسوله ﷺ من أجله عن علامات الساعة؟
هل المطلوب أن نصبح خبراء في توقع موعد النهاية؟
أم أن هناك سؤالًا أهم بكثير:
إذا كنت أعلم أن هذه الدنيا لها نهاية… فماذا تغيّر هذه المعرفة في حياتي الآن؟
قال الله تعالى:
﴿فَهَلْ يَنظُرُونَ إِلَّا ٱلسَّاعَةَ أَن تَأْتِيَهُم بَغْتَةًۭ ۖ فَقَدْ جَآءَ أَشْرَاطُهَا ۚ فَأَنَّىٰ لَهُمْ إِذَا جَآءَتْهُمْ ذِكْرَىٰهُمْ﴾ [محمد: 18]. Quran.com
كلمة أشراطها تعني علاماتها.
لكن الآية لا تدفعنا إلى مطاردة الأخبار بقدر ما توقظنا من سؤال أخطر: ماذا لو جاءت الساعة والإنسان ما زال غافلًا؟
موعد الساعة ليس لغزًا مطلوبًا منا حله
أول قاعدة نحتاج إليها عندما نتكلم عن أشراط الساعة: لا أحد يعلم متى تقوم الساعة إلا الله.
قال سبحانه:
﴿يَسْـَٔلُونَكَ عَنِ ٱلسَّاعَةِ أَيَّانَ مُرْسَىٰهَا ۖ قُلْ إِنَّمَا عِلْمُهَا عِندَ رَبِّى ۖ لَا يُجَلِّيهَا لِوَقْتِهَآ إِلَّا هُوَ ۚ ثَقُلَتْ فِى ٱلسَّمَـٰوَٰتِ وَٱلْأَرْضِ ۚ لَا تَأْتِيكُمْ إِلَّا بَغْتَةًۭ ۗ يَسْـَٔلُونَكَ كَأَنَّكَ حَفِىٌّ عَنْهَا ۖ قُلْ إِنَّمَا عِلْمُهَا عِندَ ٱللَّهِ وَلَـٰكِنَّ أَكْثَرَ ٱلنَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ﴾ [الأعراف: 187]. Quran.com
إذن أي محاولة لتحديد سنة أو يوم لقيام الساعة، أو استخراج موعدها من أرقام وحسابات، لا تقوم على أصل شرعي صحيح.
نحن نؤمن بما ثبت من العلامات، لكن موعد الساعة بقي من الغيب الذي استأثر الله بعلمه.
والأهم من موعد القيامة العامة أن كل واحد منا له «ساعة» أقرب: نهاية عمره هو.
قد لا ندرك العلامات الكبرى، لكننا نعلم يقينًا أن حياتنا محدودة.
لذلك السؤال النافع ليس: كم بقي على الساعة؟
بل:
ماذا لو كان الباقي من عمري أقل مما أتصور؟
لماذا أخبرنا النبي ﷺ بعلامات الساعة؟
المقصود ليس الخوف المجرد.
ولا جمع أكبر عدد من المعلومات الغريبة.
ولا الشعور بأننا اكتشفنا «سرًا» لا يعرفه الآخرون.
بل إن معرفة الأشراط تزيد يقين المؤمن بالوحي، وتذكّره بنهاية الدنيا، وتجعله أكثر استعدادًا للفتن، وأكثر انتباهًا إلى دينه وعمله.
وهذا المعنى مهم؛ لأن بعض علامات الساعة ليست أحداثًا كونية ضخمة.
بعضها يحدث في الأخلاق، والعلاقات، وطريقة اختيار الناس، وتعاملنا مع الوقت.
وهنا تصبح علامات الساعة قريبة جدًا من حياتنا اليومية.
إضاعة الأمانة قد تبدأ من قرار صغير
قال النبي ﷺ:
«إذا ضُيِّعَتِ الأمانةُ فانتَظِرِ السَّاعةَ… إذا أُسنِدَ الأمرُ إلى غيرِ أهلِه فانتَظِرِ السَّاعةَ».
الراوي: أبو هريرة رضي الله عنه. الحكم: صحيح. التخريج المبسط: أخرجه البخاري (6496). dorar.net
حين نسمع هذا الحديث ربما يذهب عقلنا مباشرة إلى الحكومات والمناصب الكبرى.
لكن الأمانة أوسع.
مدير يختار شخصًا لأنه صديقه مع وجود من هو أكفأ منه.
صاحب عمل يعطي مسؤولية حساسة لمن لا يحسنها بسبب القرابة أو المجاملة.
معلم يدخل إلى طلابه بلا استعداد وهو يعلم أنه مسؤول عن عقولهم.
أب أو أم يتركان تربية الأبناء بالكامل لشاشات أو أشخاص آخرين دون معرفة ما يتعلمه الأبناء.
وحتى الإنسان نفسه قد يطلب منصبًا أو مسؤولية يعلم في داخله أنه غير مؤهل لها لمجرد المكانة أو اللقب.
إضاعة الأمانة ليست فقط أن يخون الإنسان مالًا وُضع عنده.
من الأمانة أيضًا أن يضع الشخص المناسب في المكان المناسب عندما يكون القرار في يده.
ولهذا بدل أن نسأل فقط: «هل ظهرت هذه العلامة؟»
يمكن أن نسأل:
أنا عندما أختار… هل أختار بالكفاءة والأمانة أم بالمصلحة والمجاملة؟
هنا تحولت المعلومة عن علامة من علامات الساعة إلى مراجعة للنفس.
عندما يصبح السلام للناس الذين نعرفهم فقط
ومن العلامات اللافتة أن النبي ﷺ أخبر عن تغير يبدو صغيرًا جدًا في العلاقات بين الناس.
قال ﷺ:
«مِن أشراطِ الساعةِ… ألَّا يُسلِّمَ الرجلُ إلَّا على مَن يعرفُ».
الراوي: عبد الله بن مسعود رضي الله عنه. الحكم: صحيح عند الألباني. التخريج المبسط: أخرجه ابن خزيمة (1326)، والطبراني (9489)، والبيهقي في شعب الإيمان (8778). dorar.net
تأمل بساطة الصورة.
لا حرب.
لا كارثة.
ولا حدث غريب.
مجرد إنسان أصبح لا يسلم إلا على الذين يعرفهم.
وفي المقابل، حين سُئل النبي ﷺ: أي الإسلام خير؟ قال:
«تُطعِمُ الطَّعامَ، وتَقرَأُ السَّلامَ على مَن عَرَفتَ، وعلى مَن لَم تَعرِفْ».
الراوي: عبد الله بن عمرو رضي الله عنهما. الحكم: صحيح. التخريج المبسط: أخرجه البخاري (12)، ومسلم (39). dorar.net
وهذا المعنى يستحق أن نتأمله في حياتنا الآن.
قد يكون لدى الإنسان آلاف المتابعين على الإنترنت، لكنه يسكن سنوات في عمارة لا يعرف اسم جاره.
ندخل المصعد مع إنسان فننظر في الهاتف.
ندخل المسجد فنبحث بأعيننا عن أصحابنا فقط.
نعيش متصلين رقميًا بالعالم كله، لكن دوائرنا الإنسانية الواقعية قد تصبح أضيق.
فإذا كان من العلامات أن يختص الناس بالسلام من يعرفون، فهناك تطبيق بسيط نستطيع أن نبدأه اليوم:
أن نعيد إحياء السلام.
لا نحتاج إلى مشروع كبير.
ربما «السلام عليكم» لإنسان لا تعرفه تكون بداية مودة، أو تزيل وحشة شخص جديد، أو تُشعر جارًا كبيرًا في السن أن أحدًا يراه ويسأل عنه.
«يتقارب الزمان»… هل يعني أن الساعة أصبحت فعلًا أسرع؟
قال النبي ﷺ:
«لا تقومُ الساعةُ حتى يُقبَضَ العلمُ، وتكثرَ الزلازلُ، ويتقاربَ الزمانُ، وتظهرَ الفتنُ، ويكثرَ الهرجُ».
الراوي: أبو هريرة رضي الله عنه. الحكم: صحيح. التخريج المبسط: أخرجه البخاري (1036)، ومسلم (157) باختلاف يسير. dorar.net
وهنا نحتاج إلى الدقة.
لا يصح أن نقول ببساطة إن «تقارب الزمان» يعني أن عدد دقائق الساعة تغيّر أو أن الزمن الفيزيائي صار أسرع.
ذكرت شروح أهل العلم في معنى تقارب الزمان عدة تفسيرات، ومنها قلة البركة في الوقت، كما وردت نصوص أخرى تصف سرعة مرور الأزمنة، وذُكرت تفسيرات أخرى كذلك. فلا ينبغي حصر الحديث في تفسير واحد وكأنه قطعي. dorar.net
لكن هناك وقفة تربوية قوية جدًا نستطيع أن نخرج بها.
كم مرة نقول:
«السنة طارت».
«رمضان كان إمتى؟»
«الأولاد كبروا إمتى؟»
«لسه كنا في أول السنة».
المشكلة أن الإنسان قد يتعامل مع ضياع الوقت بخفة لا يتعامل بها مع ضياع المال.
لو فقد مبلغًا من حسابه، قد يبحث ساعات عما حدث.
لكن قد تمر ساعتان أو ثلاث أو أربع كل ليلة بين تطبيق وآخر ولا يسأل:
أين ذهب هذا الجزء من عمري؟
والمال إذا نقص قد يعود.
أما الساعة التي انتهت من عمرك فلن توجد وسيلة لاسترجاعها.
ربما لهذا لا يكفي أن نقول: «الوقت بيجري».
الأدق أن نقول:
العمر هو الذي يجري.
ظهور الفتن… والخطر أنها لا تأتي دائمًا باسم «فتنة»
الحديث السابق ذكر أيضًا:
«وتظهر الفتن». dorar.net
لكن الفتنة ليست دائمًا مشهدًا ضخمًا نستطيع تمييزه من أول لحظة.
أحيانًا تدخل على الإنسان باسم جميل.
«مجرد فضول».
«تسلية بسيطة».
«كل الناس بتعمل كده».
«دي فرصة مش هتتكرر».
«من حقي».
«مش مشكلة المرة دي».
ثم تمر الأيام، ويكتشف الإنسان أنه ابتعد خطوات كثيرة عن المكان الذي بدأ منه.
وهنا من أجمل المعاني التي أكدت عليها منار في المحاضرة الأصلية:
لا تنتظر الفتنة حتى تبني إيمانك.
فالإنسان لا ينتظر العاصفة حتى يبدأ في بناء السفينة.
الرصيد يُبنى قبلها: صلاة يعرف الإنسان قيمتها، قرآن يعود إليه، علم صحيح، صحبة تعينه، ودعاء وتعلق بالله.
ولهذا فإن الحديث عن الفتن ينبغي ألا يصنع إنسانًا مذعورًا.
المفترض أن يصنع إنسانًا أكثر استعدادًا.
لا تحوّل نشرات الأخبار إلى كتاب لأشراط الساعة
هذه نقطة من أهم ما ينبغي التأكيد عليه.
حدث زلزال؟
ليس مطلوبًا أن نعلن فورًا أن هذا هو المقصود بحديث معين.
اندلعت حرب؟
لا يعني أن كل نص عن فتن آخر الزمان نطبقه عليها.
ظهر تطور تقني غريب؟
ليس من الأمانة أن نبحث بالقوة عن آية أو حديث ونقول إن النبي ﷺ كان يقصده تحديدًا.
هناك فرق بين ثلاثة أشياء:
النص الشرعي الثابت.
وفهم العلماء للنص.
وتطبيق النص على واقعة معاصرة بعينها.
والخلط بينها هو أحد أسباب انتشار المحتوى الديني المثير وغير الدقيق.
قد يكون الحديث صحيحًا، لكن الزعم بأن «هذا الحدث الذي وقع أمس هو المقصود به تحديدًا» يحتاج دليلًا مستقلًا.
والأمانة مع رسول الله ﷺ أوجب من الحصول على مشاهدات أكثر.
أحيانًا تكون أكثر إجابة علمية وصدقًا هي:
الله أعلم.
ولا تنخدع بالمظهر الديني وحده
فقد يكون شخص مؤثرًا، وكلامه عاطفيًا، ويستشهد بكثير من النصوص، ويظهر عليه التدين، لكن هذا وحده لا يجعله مؤهلًا للاستنباط والفتوى.
لهذا فواحدة من أهم أدوات النجاة عند انتشار الفتن هي:
أن تعرف من أين تأخذ دينك.
لا من الأعلى صوتًا.
ولا من الأكثر انتشارًا.
ولا من الفيديو صاحب العنوان الأكثر إثارة.
بل من أهل العلم المعروفين بالعلم والتثبت، مع الرجوع إلى المصادر الأصلية قدر المستطاع.
كيف تتحول علامات الساعة إلى «تعليمات نجاة»؟
بدل أن تنتهي من درس عن أشراط الساعة بعشرة معلومات جديدة، يمكن أن تخرج بخمس تغييرات عملية:
- إذا كان من العلامات ضياع الأمانة، فكن أنت أمينًا وضع المسؤولية في يد أهلها.
- وإذا كان من العلامات اختصاص السلام بالمعارف، فوسّع دائرة السلام والمودة.
- وإذا كان من العلامات تقارب الزمان، فراجع أين يذهب عمرك قبل أن تشتكي من سرعة الأيام.
- وإذا كانت الفتن تكثر، فابنِ رصيدك من الإيمان والعلم قبل أن تحتاج إليه.
- وإذا انتشر الجهل والكلام باسم الدين بغير علم، فخذ دينك من مصادره وأهله، ولا تجعل الشهرة معيارًا للصواب.
وهذه ربما تكون أنفع طريقة لقراءة أشراط الساعة.
فالعلامة لا تقول لنا فقط:
«العالم سيتغير».
بل تسألنا أيضًا:
هل ستتغير أنت معه في الاتجاه الخطأ؟
المطلوب ليس أن تعرف كم بقي… بل ماذا قدمت
قال الله تعالى:
﴿يَـٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ ٱتَّقُوا۟ ٱللَّهَ وَلْتَنظُرْ نَفْسٌۭ مَّا قَدَّمَتْ لِغَدٍۢ ۖ وَٱتَّقُوا۟ ٱللَّهَ ۚ إِنَّ ٱللَّهَ خَبِيرٌۢ بِمَا تَعْمَلُونَ﴾ [الحشر: 18]. Quran.com
لاحظ السؤال الذي توجهنا إليه الآية:
ليس: كم بقي؟
بل:
ماذا قدمت؟
وهذا يعيد علامات الساعة إلى مكانها الصحيح.
ليست مادة للذعر.
وليست لعبة توقعات.
وليست طريقة لإثبات أن كل خبر نراه اليوم موجود بالنص في حديث.
إنها جزء من الإيمان بالغيب، وتذكير بأن هذه الدنيا ليست النهاية، وأن الإنسان محتاج إلى يقظة دائمة.
أسئلة شائعة
ما معنى أشراط الساعة؟
أشراط الساعة هي علاماتها ومقدماتها، وقد جاء التعبير نفسه في القرآن في قوله تعالى: ﴿فَقَدْ جَآءَ أَشْرَاطُهَا﴾ [محمد: 18]. Quran.com
هل يجوز تحديد موعد قيام الساعة اعتمادًا على العلامات؟
لا. موعد الساعة من الغيب الذي استأثر الله بعلمه، وقد قال تعالى: ﴿قُلْ إِنَّمَا عِلْمُهَا عِندَ رَبِّى﴾ [الأعراف: 187]. Quran.com
ما معنى «يتقارب الزمان»؟
ذكر أهل العلم أكثر من تفسير، ومنه قلة البركة في الوقت، كما ورد تفسير بسرعة مرور الأزمنة، ولذلك لا ينبغي الجزم بتفسير واحد على أنه المعنى الوحيد للحديث. dorar.net
هل كل حرب أو زلزال يمكن اعتباره علامة بعينها؟
لا يصح تحديد واقعة بعينها بأنها المقصودة بنص شرعي إلا بدليل. نثبت ما ثبت في القرآن والسنة، ونفرق بين النص نفسه وبين اجتهاد الناس في تنزيله على حدث معاصر.

