قد يصلك مقطع يسخر من شخص، فتضحك وترسله إلى صديق. أو Screenshot لمحادثة خاصة، فتقول: «أنا لم أصورها أصلًا». أو خبر عن شخص لا تعرف هل هو صحيح، لكنك تعيد نشره لأن الجميع يتحدث عنه.

وفي كل مرة قد يبدو الأمر بسيطًا: أنا لم أقل شيئًا.

لكن هل حفظ اللسان في زمن الهاتف يتعلق فقط بالكلمات التي تخرج من أفواهنا؟

أم أن ما نكتبه ونرسله ونعيد نشره يحتاج هو الآخر إلى الوقوف معه؟

اللسان لم يعد في الفم فقط

قال النبي ﷺ:

«مَن كانَ يُؤمِنُ باللهِ واليَومِ الآخِرِ فليَقُلْ خَيرًا أو ليَصمُتْ»

الراوي: أبو هريرة رضي الله عنه. الحكم: صحيح. التخريج المبسط: أخرجه البخاري ومسلم. المصدر

في زمن النبي ﷺ كان الكلام ينتقل غالبًا باللسان، أما اليوم فقد تصل كلمة الإنسان إلى آلاف الأشخاص من خلال إصبعه.

تعليق، رسالة، تسجيل صوتي، Screenshot، إعادة نشر، مشاركة مقطع أو حتى إرسال إشاعة إلى مجموعة صغيرة؛ كلها وسائل ننقل بها الكلام إلى الآخرين.

ولهذا فالسؤال قبل الضغط على إرسال لا ينبغي أن يكون فقط: «هل أنا الذي كتبت هذا؟»

بل: هل يجوز لي أن أكون سببًا في وصوله إلى غيري؟

«أنا لم أقلها.. أنا فقط نقلتها»

هذه من أكثر الأفكار التي تحتاج إلى مراجعة.

فقد لا تخترع الخبر، لكنك تنقله. وقد لا تصنع المقطع الساخر، لكنك تساعد على انتشاره. وقد لا تلتقط المحادثة الخاصة، لكنك تعرضها على شخص آخر.

وفي باب نقل الأخبار جاء التحذير واضحًا:

«كَفَى بِالمَرْءِ كَذِبًا أنْ يُحَدِّثَ بكلِّ ما سمعَ»

الراوي: أبو هريرة رضي الله عنه. الحكم: إسناده صحيح. التخريج المبسط: أخرجه مسلم وأبو داود. المصدر

ليس معنى الحديث أن كل ما يسمعه الإنسان كذب، وإنما الخطر أن يتحول إلى ناقل لكل شيء دون تثبت؛ فينقل الصحيح والخطأ معًا.

وهذا المعنى أصبح أكثر أهمية اليوم، لأن إعادة نشر الخبر لا تحتاج إلا إلى ثانية واحدة.

قبل أن تشارك الخبر: هل تعرف أصلًا أنه صحيح؟

انتشار المعلومة ليس دليلًا على صحتها.

ووجودها في عشرات الحسابات لا يعني أن أحدًا منها تحقق منها. فكثيرًا ما ينسخ الناس بعضهم من بعض، ثم يصبح عدد المشاركات نفسه سببًا في تصديق الخبر.

قال الله تعالى:

﴿يَـٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوٓا۟ إِن جَآءَكُمْ فَاسِقٌۢ بِنَبَإٍۢ فَتَبَيَّنُوٓا۟ أَن تُصِيبُوا۟ قَوْمًۢا بِجَهَـٰلَةٍۢ فَتُصْبِحُوا۟ عَلَىٰ مَا فَعَلْتُمْ نَـٰدِمِينَ﴾ [الحجرات: 6]

أحيانًا يكون أفضل ما تفعله بخبر مثير هو ألا تفعل شيئًا حتى تتأكد.

لا تشاركه «احتياطًا»، ولا ترسله لشخص وتسأله بعد ذلك: «هو الكلام ده صح؟»

تحقق أولًا، ثم قرر هل هناك أصلًا فائدة مشروعة من نشره.

وحتى لو كان صحيحًا.. هل يجب أن أنشره؟

وهذه خطوة يغفل عنها كثيرون.

ليست كل معلومة صحيحة مباحة للنشر.

قد تكون المعلومة صحيحة لكنها سرّ. وقد يكون الـScreenshot حقيقيًا لكنه محادثة خاصة. وقد يكون الشخص أخطأ فعلًا، لكن نشر خطئه بين الناس ليس هو الطريقة الصحيحة لنصحه.

إذن السؤال لا ينتهي عند:

هل هذا صحيح؟

بل بعده سؤال آخر:

هل هناك خير أو حاجة معتبرة في نشره؟

فالحقيقة لا تمنحنا تلقائيًا حق كشف خصوصيات الآخرين أو إحراجهم أو تحويل أخطائهم إلى مادة للحديث.

الـScreenshot ليس شيئًا بريئًا دائمًا

تخيل أن شخصًا أرسل لك محادثة خاصة بين اثنين وقال:

«بص بس.. وما تبعتهاش لحد.»

قد نشعر أننا لم نفعل شيئًا لأننا لم ننشرها على حساب عام.

لكن لماذا نقرأ أصلًا شيئًا لم يكن موجّهًا إلينا؟

وهل الفضول سبب كافٍ للاطلاع على خصوصيات الناس؟

وهل الاحتفاظ بصورة خاصة لشخص آخر أمر نحتاج إليه فعلًا؟

العالم الرقمي جعل الوصول إلى خصوصيات الآخرين سهلًا جدًا، لكن سهولة الوصول لا تعني أن كل ما نستطيع رؤيته يحق لنا أن نراه أو ننقله.

الضحكة والـEmoji والمشاركة قد تزيد الأذى

تخيل مقطعًا يسخر من طالب أو زميل.

أنت لم تصنع المقطع. ولم تكتب التعليق المسيء.

لكن شاهدته، وضحكت، ووضعت Emoji، ثم أرسلته إلى صديق.

هنا يستحق الأمر سؤالًا صريحًا:

هل أنا فعلًا خارج دائرة الأذى لأنني لم أصنع المحتوى؟

ربما لا تكون مسؤولية كل المشاركين متساوية، لكن الإنسان يحتاج أن ينظر إلى دوره هو: هل ساهم في انتشار الإهانة؟ هل شجّع صاحبها؟ هل أوصلها إلى شخص لم يكن ليراها؟

قال الله تعالى:

﴿مَّا يَلْفِظُ مِن قَوْلٍ إِلَّا لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌۭ﴾ [ق: 18]. المصدر

والآية تربي في القلب معنى المراقبة: أن كلمات الإنسان ليست شيئًا يمر بلا حساب.

وفي عالمنا الرقمي نحتاج هذا المعنى قبل الكلام والكتابة والنشر.

حفظ اللسان لا يعني الصمت دائمًا

قد يفهم بعض الناس من «فليقل خيرًا أو ليصمت» أن الأفضل ألا نتدخل في شيء.

لكن هناك مواقف يكون الكلام فيها خيرًا: كلمة تشجيع، نصيحة صادقة، إصلاح بين شخصين، دفاع عن مظلوم، أو تنبيه من خطأ بالطريقة المناسبة.

إذن القضية ليست: أتكلم أم أسكت؟

بل: ماذا أقول؟ ولماذا أقوله؟ وكيف؟ ومتى؟ ولمن؟

قد تكون النصيحة صحيحة، لكن إعلانها أمام الناس يجرح صاحبها. وقد تكون المعلومة صحيحة، لكن نشرها يضر بلا فائدة. وقد يكون الصمت في موقف آخر تخليًا عن شخص يحتاج إلى كلمة حق.

حفظ اللسان هو أن يصبح الكلام قرارًا مسؤولًا، لا رد فعل سريعًا.

فلتر الثلاث ثواني قبل «إرسال»

يمكن أن نحول هذا كله إلى عادة عملية بسيطة.

قبل أن تضغط إرسال أو مشاركة، توقف ثلاث ثوانٍ واسأل نفسك:

  • هل هو صحيح؟ أم أنني أنقل شيئًا لم أتحقق منه؟
  • هل فيه خير أو فائدة؟ أم أنه فضول أو سخرية أو كشف لخصوصية؟
  • هل الطريقة والوقت والشخص مناسبون؟ فقد يكون الكلام صحيحًا ونافعًا، لكن مكانه ليس منشورًا عامًا.

إذا لم يمر الكلام من هذه الأسئلة بسلام، فزر «إرسال» يستطيع الانتظار.

ماذا نعلّم أبناءنا؟

ربما نكرر على أبنائنا: «لا تقل كلامًا سيئًا»، لكن هذا وحده لم يعد كافيًا.

نحتاج أن نعلمهم أن الأخلاق نفسها تنتقل معهم إلى الهاتف.

فلا يشاركوا صورة خاصة لمجرد أنها وصلت إليهم، ولا يعيدوا نشر إشاعة لأن الجميع يتحدث عنها، ولا يعتبروا السخرية مباحة لأنها في Meme، ولا يتصوروا أن مسؤوليتهم تنتهي لأنهم لم يصنعوا المحتوى الأصلي.

التربية الرقمية ليست مجموعة قوانين منفصلة عن الدين.

إنها تطبيق للأمانة والستر والتثبت وحفظ اللسان في مساحة جديدة من حياتنا.

قبل المنشور القادم

في المرة القادمة التي يصلك فيها شيء مثير، لا تجعل أول حركة لإصبعك هي «مشاركة».

توقف.

هل هو صحيح؟

هل في نشره خير؟

هل أقبل أن يُفعل بي الشيء نفسه؟

وهل أريد أن يكون هذا مما ألقى الله به؟

لقد أصبح نشر الكلمات أسرع من أي وقت مضى، لكن سرعة التقنية لا ينبغي أن تجعل ضميرنا أسرع في الضغط وأبطأ في التفكير.

فاللسان صغير، وأحيانًا لا نستخدمه أصلًا… لكن أثر الكلمة التي ننشرها قد لا يكون صغيرًا.

اقرئي أيضًا